RSS

مجرّد رسالة إخوانيّة .. وفقط ..

18 نوفمبر

..
إنه الثامن عشر من تشرين الثاني .. المناسبة الوطنية الثانية التي تحتفل بها سلطنة عمان .. وهو اليوم الذي تباركت به الدولة بميلاد جلالة السلطان قابوس ..
منذ أن استيقظت صباحا وذاكرتي تتوهج بتفاصيل تتعلق بهذ المناسبة الجلل التي لا يعي أهميتها إلا أبناء الشعب العماني .. رغم أني بدأت يومي بالسامريين في نابلس وتعرفت على طقوسهم الدينية و كيف يقضون حياتهم في الأرض المحتلة ..

جلالة السلطان …هل تأذن لي بأن أكتب أليك بعض الأوراق لأخبرك أشياء بداخلي أتحدث بها مع نفسي منذ الصباح ؟ ….
أنت لا تعلم مدى سعادتي وأنا أمارس فعليا الكتابة إليك .. كنت أود أن أضع مكتوبي هذا في مظروف جميل وأزينه بطابع وأبعثه لك .. لكنني لا أعرف عنوان بريدك .. فقررت أن أكتبها فقط وأضعها في مكتبتي ضمن “رسائل لم تصل” .. وفكرت أنه لا بأس بذلك …

جلالتك ..
حينما كنت صغيرة كانت معلمتي المصرية “أبله نادية” تعلمنا بعض الأناشيد والرقصات الجميلة التي يجب أن نؤديها في احتفالية عيد الجلوس في بلادي بجانب الحصن ..وكنا نفرح لأنه يتوفر لنا الوقت للرقص والغناء والضحك .. كاستراحة من تحفيظ جدول الضرب وكتابة دروس مادة اللغة العربية خمس مرات بالدفتر .. رغم أني كنت الأولى على صفي حينها ..

حسنا .. كنا في مثل هذا اليوم نقف بتنسيق معين أمام الحصن نرتدي ملابسنا العمانية المزخرفة ونلف أشرطة على معاصمنا … وفتاة تتقدم فريقنا رافعة صورتك المزينة هي الأخرى .. ننظر إلى جموع الأهالي المرتبة وهم يؤدون بعض الرقصات الشعبية بإتقان أمام مجموعة من الرجال المتأنقين بالخناجر والعصي وتتوفر أمامهم أطباق الفاكهة والحلوى العمانية والقهوة .. أُخبِرنا أن ننظر إليهم ونحن نؤدي فقرتنا .. ولم نكن نعرف ساعتها أنهم جماعة الوالي وشيوخ القبائل وأعيانها وأصحاب المناصب العليا من الولاية .. بل إن المصيبة الكبرى أننا كنا لا نعرف أن عيد الجلوس يعني أنه يوم ميلاد قائد البلاد .. ولا أخفيك أنني سألت وبحثت وفكرت كثيرا لأعرف ماذا يعني “عيد الجلوس” لكنني ككل صديقاتي لم نتوصل إلى نتيجة صحيحة ..
أذكر في مساء ذلك اليوم ظهرتُ على التلفاز .. وكم فرح أهلي وأبناء عمي –بحكم مسكنهم معنا- حينما شاهدوني أؤدي واجبي الوطني وأنا طفلة وأظهر أمام الملأ على شاشة التلفزيون العماني الملون .. وظلت حارتنا تذكر هذا وتتحدث به فترة من الزمن ..

حسنا ..
كبرت وأنا لا أعرف شيئا عن الوطن إلا بيتنا والمدرسة .. ولا أعرف شيئا عن السياسة إلى ما كانت “فاطمة” رئيسة جماعة الإذاعة المدرسية حينها تقرأه لنا في الإذاعة كل صباح .. عن فلسطين والاحتلال .. وكنت أظن حينها أن المرحوم “ياسر عرفات” هو أحد الأشرار في الحرب هناك .. كنت أحب أن أستمع لأخبار فاطمة كل صباح في الإذاعة .. وكنت أخبر أمي بما أفهمه منها ..
ثفاجأت حينما علمت أن تلك الأخبار تجلبها لنا فاطمة منقولة من ورقة أخبار تجدد كل يوم على واجهة “دكان سندان” بجانب المدرسة .. ولهذه الدكانة حكايا كثيرة ..
كبرت وتوليت رئاسة الإذاعة وأدركت كم هو سيء فعل نقل الأخبار من واجهة محل لمواد غذائية .. ولهذا لم ألجأ لـ”سندان” إلا لابتياع مجلة الأشبال والشبيبة إن أسعفتني ذاكرتي بصحة اسمها ..

ذات يوم أخبرونا بأن سلطان البلاد سيمر بشارع الولاية .. وكنت حينها في مرحلة متقدمة بالصفوف الإعدادية … وكان يجب أن نساهم في تنظيم الفتيات على جانبي الشارع .. ترحيبا بـ “المرور السامي” .. وصدقني لم أكن أعرف ماذا يعني “السلطان” قبل أن أراك تلوح لنا بيدك حينما مر من أمامي الموكب واستطعت حقيقة أن أراك في لحظة مرت سريعا جدا لم تتجاوز الثانيتين على أكثر تقدير .. بعد أن كنت أشاهدك فقط على الصفحات الأولى من الكتب المدرسية .. وكانت المرة الوحيدة التي رأيتك فيها على الواقع حتى اليوم … تلك الثانيتين فقط ….

لكن هذا لم يمنعني من التفكير بالكتابة إليك ….

جلالتك :
عرفت بعد سنوات بأني مولعة بمتابعة الشأن السياسي .. وعرفت بأني أكترث كثيرا فيما بعد بفكرة القومية العربية .. حينما كنت بالثانوية كنت أقضي معظم وقتي أمام التلفاز أراقب مشهد الدبابات التي كتب أنها تغزو العراق .. وكم كنت حزينة … إلا أنني كنت أشعر بالحماسة الشديدة كلما أعادوا نقل خطاب صدام حسين ووزيره الصحاف .. وأفرح حينما يكررون كلمة “الأرعن” لوصف العدو .. رغم أني لم أكن أعرف معناها جيدا …

في تلك الأيام كان أخي الكبير الوحيد يبحث عن عمل .. كان مضطرا للعمل .. وإلا فإنه ابنة عمه اليتيمة سترحل عنه بلا عودة … وكم كنت أشعر بألم أخي حينها … وعرفت يومها أن الوطن الذي يجب أن نحبه كثيرا ونخلص له ولا نتكلم عنه بسوء .. لم يكترث لمشاعر أخي ومصيره المؤلم .. وبدأت أحتقن ضد معنى الوطن الذي اجتهدت المدرسة بعدها بغرسه في نفوسنا … تتزاحم مشاعري السلبية تجاهه كلما استرقت قراءة ما يكتبه أخي بالليل ويخبئه تحت ملابسه في الخزانة بالنهار .. لكنها فرجت عليه والتحق بعمل مناسب في الإمارات العربية الشقيقة .. وتبنيت حينها فكرتي القديمة البرئية أن وطني بالنسبة لي هو البيت والمدرسة .. ولكن هذه المرة كانت خالية من أية براءة ..
جلالتك .. أرجو ألا تنزعج حينما أخبرك أن أحد أسباب تأجج تلك النظرة السلبية للوطن هي رداءة مستوى الأغاني الوطنية التي كانت تنقل لنا على التلفاز وفي الإذاعة .. في حين أنه في تلك الفترة بدأ الفنان “عيضة” مسيرته الفنية بنجاح … وحينها كنت مراهقة بالمرحلة الثانوية أقرأ لنزار قباني واصطدم ببعض قصائده الثورية .. وأرجو أن تلاحظ أن كل هذه الأشياء كانت تراكم بداخلي مواقف للوطن .. والحب .. والغضب ..

جلالتك :
بقي مشهد العراق في داخلي .. وبقيت مشاهد النزف الفلسطيني تجثم على صدري منذ تلك الفترة .. وإنني اليوم آسَفُ أشد الأسف لأنهم في المدرسة كانوا يحرموننا نحن طلبة القسم العلمي من دراسة مادة التاريخ .. التي أعتقد أنه يجب أن يُحنّك بها كل مواطن عربي ..
لذلك وجدتني في الجامعة لأول مرة أقرأ في التاريخ العربي بكل مراحله .. وكانت تلك لقاءاتي الأولى بكتب التاريخ مذ كبرت وأصبحت أمارس فعل التفكير بشكل جِدّي ….
حينما التحقت بالجامعة ارتبط اسمك لدي بمناسبة جديدة .. كانت الزيارة التاريخية للجامعة التي أصبحت مناسبة سنوية تحتفل بها الجامعة وتعيد نقل خطابك ضمن فعالياتها .. ذلك الخطاب الذي أعلنت فيه أنك “لا تسمح بمصادرة الفكر أبدا” …..

عزيزي جلالة السلطان …

لا أعرف إن كان من الجيد أن أكتب”عزيزي” .. فأنا بحق لا أعرف شيئا في المخاطبات السياسية .. ولكني كتبتها لأني قررت أن أكتب إليك وديا كما أكتب لأي شخص أحب أن أخبره بما لدي من مشاعر ومواقف له .. ولذلك سمحت لنفسي أن أستخدمها لمخاطبتك .. وأرجو أن تعذرني إن كان في الأمر حرج ..

عزيزي –مرة أخرى- كل سنة وانت طيب .. وعقبال العمر المديد والسعيد … مثلك يجب أن يحيى بسعادة .. هل تعرف جلالتك بأن يوم مولدي هو السابع من كانون الثاني .. وإني بالمناسبة من مواليد برج الجدي .. عذرا فأنا أهتم بالأبراج كثيرا وهذا لا يعني بالضرورة أني أصدقها ..
ربما تلاحظ أن يوم ميلادي يأتي في فترة غير مناسبة للاحتفال .. فكل عام في مثل هذا الوقت تبدأ امتحانات منتصف العام الدراسي .. وأكون منشغلة فيها بالتحصيل العلمي أكثر من جمع التهاني والهدايا والبطاقات الجاهزة كما يسميها “نزار” …

يناير المقبل سأكمل 25 عاما .. وسيمر الشتاء الثاني فارغا من كل شيء .. من عمل أو دراسة أو أمنيات جميلة أخرى .. سوى من بعض الأنشطة التي أسعى لأشغل نفسي بها حتى يمر الوقت …

جلالتك..
ستحتفل اليوم بالفرقعات و دوي المدافع وبعرض عسكري ناعم .. لكنهم يا سيدي يموتون بالرصاص في سوريا .. وبتفجيرات وألغام في العراق وأفغانستان .. وبنيران الحرب الأهلية في ليبيا .. وبكل الطرق البشعة في وطني الغالي فلسطين … وليس هناك من يقف في وجه الاستفزازات الصهيونية ….
أنا لا أريد حقا أن أن أفسد فرحتك بهذه المناسبة التي ما زلت محتارة في كونها وطنية … أو شخصية … اعذرني جلالتك فإن خلفيتي السياسية العمانية ضحلة للغاية .. ولذلك أجدني محتارة في بعض تلك المصطلحات ..

جلالتك ..سرني أن سفيرنا بقي في دمشق .. وسرني عدم تدخل السلطنة بأي موقف عدواني ضد القذافي .. وسرني أن عمان لا تمانع استضافة عائلة الفقيد .. تماما كما سرني قولك في مجلس عمان العام الفائت بأننا لا نتدخل في شؤون الغير ولا نرحب بالغير ليتدخل في شؤوننا .. ما أسعدني أكثر طيب علاقتنا الدولية مع جارتنا العزيزة إيران .. إنني أقدر حقا جهودك المضنية للاحتفاظ بهذه المواقف والعلاقات الدولية الجميلة .. لكنني ما زلت أفكر في تفسير لبعض المواقف التي اجتهدت في إيجاد إجابة مقنعة لها ولم أفلح ..

جلالتك … بخصوص عرض الليلة .. هل ستُسرّ حينما ترى نواعم عُمان يقفزن من الطائرات في العرض العسكري هذا المساء وهنّ يؤدين الطقوس العسكرية الواجبة لهذه المناسبة السنوية .. إنني حقا أشعر بهن وهن يتألمن .. وهن يفكرن في لحظة السقوط من الطائرة .. لحظة التردد الصعبة والخيار بين الطبيعة الأنثوية .. وبين الشجاعة المتكلفة لتأدية شكر عسكري لباني نهضة عمان المجيدة … نعم .. نحن نؤمن بمقدرة المرأة على تأدية واجبها الوطني بمختلف أشكاله .. وهذا لا يعني بأني جبانة .. لأنني حقا لست كذلك .. لكنني أؤمن أكثر بأن المرأة خلقت أنثى جميلة .. لطيفة .. تحتفظ بداخلها بكميات لا تنضب من الحب والدفء والجمال والحنان ..

المرأة خُلقت محتفظة بداخلها بمساحات كبيرة لاستيعاب الآخرين .. فكيف إذا كان الموضوع يتعلق بمناسبة المولد الكريم .. كم هو عظيم إلهنا أن خلق المرأة بهذا القدر من الاستيعاب والعطاء!
بالمناسبة .. إني أتساءل دائما مذ كنت في المدرسة حتى اليوم عن سر كلمة “جلالة” التي تسبق اسمك.. و”معظم” التي تلحق به !
ربما لديك إجابة مقنعة لكن صدقني الحق عليهم في المدرسة .. لقد علمونا أن “الجلالة” و”العظمة” لا تجوز لغير ذات الإله .. وإني أعتذر لجرأة تساؤلي لكنها حالة التذبذب بين ما نتعلمه وما نصطدم به في الواقع … ثم إني عاطلة عن العمل منذ ما يقارب السنتين ولدي متسع من الوقت للتأمل والتفكير في كل شيء حولي .. بما فيها هذه المصطلحات ..

كما أنني أدركت اليوم ماهو المعنى الحقيقي لكلمة “وطن” .. إنه ليس الممارسات التي لم تعجبنا من المسؤولين .. إنه ليس الحكومة التي لا تنظر إلى المواطنين بنظرة مساواة .. وإنه ليس السؤول … لقد علمت أن الوطن هو المفهوم الموسع للبيت .. إنه الأرض ..

سيدي : أرجو لك حياة سعيدة .. جميلة .. مع من تحب .. وأرجو ألا يعكر صفو حياتك شيء .. بما فيها رسالتي .. أرجو حقا أن نشهد سوية احتفالا وطنيا جللا بتحرير أرضنا في العراق المجيد وفلسطين المكسورة …

هناك تفاصيل كثيرة فكرت بتدوينها .. لكن ربما أطلت عليك كثيرا .. ربما سأكتبها إليك في العام القادم … إلى ذلك الحين دم بود …

About these ads
 
أضف تعليقاً

Posted by في 18 نوفمبر 2011 in Uncategorized

 

أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل خروج   / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
تابع

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 7,221 other followers

%d bloggers like this: